عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

101

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

مركّب ! فاعتبر جميع الباب في أطوار الحروف ، تقع على كنز من كنوز اللّه تعالى . وإنما ضربنا على تبيّن كل ذلك ، لئلا يفوت الغرض من تأليف هذا الكتاب ، والمراد بذلك سعادتك ، وإنما هي في معرفتك لنفسك ، فلأجل ذلك تكلّمنا على الإنسان وحده . وقال في اللفظية والرقمية والخيالية أنها : ابن الإمام المبين . الذي هو اللوح المحفوظ ، لأنها تبرز بتلك الحقائق ، كما تبرز المعاني من القلوب . لا ، بل هي أبوه . يعني : هي أصل لتلك الحقائق المكتوبة في اللوح ، لأنه لا بد من حروف كتبها القلم في اللوح حتى قرئت . وتلك الحروف ، ولو كانت على غير هذه الهيئة ، فهي عين هذه الحروف الرقمية ؛ لأنها متلوّة مقروءة ، ولو بلا معنى ؛ فلا يخرجها ذلك عن كونها حروفا ، فهي - أعني الحروف - أصل للمعاني الموضوعة في اللوح المحفوظ ، إذ بها الكمال والتمام . لكونها مشهودة صورة ومعنى ، والموضوع في اللوح المحفوظ إنما هو مشهود معنى لا غير ؛ فجمعت هذه الحروف ، حقائق المعنى والصورة . . وليس ذلك لتلك ، فافهم . ولكون الإنسان الكامل ، كلّي التحقيق ؛ قال : إذا أسهب ذهب . أسهب - بالسين المهملة - يعني إذا طوّل وأطنب - يقال « أسهب في الكلام وأطنب » إذا طوّل في الحديث . المراد : إذا تمادى وأطال نظره إلى حقائق صفاته - التي لا نهاية لها ، وكلها كمالية - ذهب عن حكم الكون ، فلا يسمّى خلقا بوجه من الوجوه ، لأنه قد ذهب عن العالم وما فيه بالكلية ؛ فليس هو من العالم ، ولا هو فيه . وإذا أوجز أعجز . الإيجاز ضدّ الإسهاب ، يعني : أن الإنسان إذا اختصر في نفسه ، فوقع نظره في صفاته ، إلى نظره لذاته ؛ أعجز غيره عن دركه . وإن شئت قلت : أظهر كلّ أمر معجز وإن اعتبرت ذلك في الحرف اللفظي والرقم ، فمعناه ظاهر . . ومن ثم قال : فصيح المقال ، كثير القيل والقال . يعني : أن الإنسان الإلهي الكامل ، ظاهر التكوين بالكلمة ؛ كثير الكلام ، لأن الموجودات كلها كلمات . تختلف أشكاله ومعارجه ، لأنه متصوّر بكل صورة خلقية ، ومتحقّق بكل حقيقة إلهية ؛ فهو مختلف الأشكال والمعارج . ويخفى على المتّبع أثره ومدارجه . لأنه من وراء قوة أطوار الكون ، فيخفى أثره على كل متّبع ، لأنه لا يبلغه حدّه ، ولا يصل إليه دركه . واعتبر تلك المعاني في الحروف ، فالحرف اللفظي تختلف أشكاله على حسب وضع كل واضع بكل لغة . و « يخفى على المتّبع أثره » يعني : على المقتفي له ، معرفة ما جعل اللّه في كل حرف من أثر - بالخاصية والطبع والفعل - في كل معنى وصورة ،